صديق الحسيني القنوجي البخاري
364
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقد ثبت بذلك صحة ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن هؤلاء وانتصره الحافظ ابن القيم ، ووضح وهن ما قاله ابن حجر والمناوي عليهما وإن كان لا شك في أن الراجح هو الأول . ولقد تكلم صاحب الكشاف في هذا الموضع بما كان له في تركه سعة وفي السكوت عنه غنى فقال : ولا يخدعنك قول المجبرة أن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار ، فإن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم ، وما ظنك بقوم نبذوا كتاب اللّه لما روى لهم بعض النوابت عن ابن عمرو : ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد . ثم قال : وأقول ما كان لابن عمرو في سيفيه ومقاتلته بهما علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ما يشغله عن تسيير هذا الحديث . اه . قال الشوكاني : وأقول أما الطعن على من قال بخروج أهل الكبائر من النار فالقائل بذلك يا مسكين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما صح عنه في دواوين الإسلام التي هي دفاتر السنة المطهرة وكما صح عنه في غيرها من طريق جماعة من الصحابة يبلغون عدد التواتر ، فما لك والطعن على قوم عرفوا ما جهلته وعملوا بما أنت عنه في مسافة بعيدة ، وأي مانع من حمل الاستثناء على هذا الذي جاءت به الأدلة الصحيحة الكثيرة كما ذهب إلى ذلك وقال به جمهور العلماء من السلف والخلف . وأما ما ظننته من أن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم فلا مناداة ولا مخالفة ، وأي مانع من حمل الاستثناء في الموضعين على العصاة من هذه الأمة من النار والاستثناء الأول يحمل على معنى إلا ما شاء ربك من خروج العصاة من هذه الأمة من النار والاستثناء الثاني يحمل على معنى إلا ما شاء ربك من عدم خلودهم في الجنة كما يخلد غيرهم ، وذلك لتأخر دخولهم إليها مقدار المدة التي لبثوا فيها في النار وقد قال بهذا من أهل العلم من قدمنا ذكره ، وبه قال ابن عباس حبر الأمة . وأما الطعن على صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحافظ سنته وعابد الصحابة عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه تعالى عنه فإلى أين يا محمود أتدري ما صنعت ، وفي أي واد وقعت ، وعلى أي جنب سقطت ، ومن أنت حتى تصعد إلى هذا المكان وتتناول نجوم السماء بيدك القصيرة ورجلك العرجاء ، أما كان لك في مكسري طلبتك من أهل النحو واللغة ما يردك عن الدخول فيما لا تعرف والتكلم بما لا تدري ، فياللّه العجب ما يفعل القصور في علم الرواية والبعد عن معرفتها إلى أبعد مكان من الفضيحة لمن لم يعرف قدر نفسه ولا أوقفها حيث أوقفها اللّه سبحانه . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 108 إلى 109 ] وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 108 ) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ( 109 )